الشيخ محمد علي الأنصاري

171

الموسوعة الفقهية الميسرة

تحديد الإيثار الممدوح شرعا : اختلفت الآثار في تحديد الإيثار المندوب إليه شرعا ، فقد تقدّم بعض ما يدلّ على الترغيب فيه ، وورد في مقابله ما يظهر منه النهي عنه ، مثل ما ورد في الأمر بالاقتصاد والنهي عن الإسراف ، كقوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً « 1 » ، وقوله تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً « 2 » ، وقوله صلّى اللّه عليه واله : « أفضل الصدقة صدقة عن ظهر غنى » « 3 » ، ونحو ذلك . وهناك عدّة محاولات لرفع هذا التنافي بين النصوص : الأولى - دعوى أنّ الإيثار كان مرغوبا فيه ومندوبا إليه في صدر الإسلام ؛ لكثرة الفقر والفقراء وضيق الأمر بين المسلمين ، ثمّ نسخ ذلك بالآيات الدالّة على الاقتصاد . قال المجلسي : « واعلم أنّ الآيات والأخبار في قدر البذل وما يحسن منه متعارضة ، فبعضها تدلّ على فضل الإيثار ، كهذه الآية « 4 » ، وبعضها على فضل الاقتصاد ، كقوله سبحانه : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ، وكقول النبيّ صلّى اللّه عليه واله : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " « 1 » . . . » . ثمّ ذكر طريقين لرفع الاختلاف ، الثاني منهما ما أشار إليه بقوله : « وورد في بعض الأخبار : أنّ الإيثار كان في صدر الإسلام لكثرة الفقراء وضيق الأمر على المسلمين ، ثمّ نسخ ذلك بالآيات الدالّة على الاقتصاد . . . » « 2 » . ولعلّ مقصوده من بعض الأخبار ما قاله الإمام الصادق عليه السّلام ردّا على سفيان الثوري وجماعته من المتصوّفة في قوله : « فأمّا ما ذكرتم من إخبار اللّه عزّ وجلّ إيّانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحسن فعالهم ، فقد كان مباحا جائزا ، ولم يكونوا نهوا عنه ، وثوابهم منه على اللّه عزّ وجلّ ، وذلك أنّ اللّه جلّ وتقدّس أمر بخلاف ما عملوا فصار أمره ناسخا لفعلهم ، وكان نهي اللّه تبارك وتعالى رحمة منه للمؤمنين ونظرا لكيلا يضرّوا بأنفسهم وعيالاتهم ، منهم الضعفة الصغار والولدان والشيخ الفاني والعجوز الكبيرة الذين لا يصبرون على الجوع ، فإن تصدّقت برغيفي ولا رغيف لي غيره ، ضاعوا وهلكوا جوعا . . . » « 3 » .

--> ( 1 ) الفرقان : 67 . ( 2 ) الإسراء : 29 . ( 3 ) الوسائل 15 : 181 ، الباب 4 من أبواب جهاد النفس ، الحديث 2 . ( 4 ) أي : الحشر : 9 . 1 الوسائل 15 : 181 ، الباب 4 من أبواب جهاد النفس ، الحديث 2 . 2 البحار 71 : 250 ، كتاب العشرة ، باب حقوق الاخوان ، ذيل الحديث 46 . 3 الكافي 5 : 66 ، كتاب المعيشة ، باب دخول الصوفيّة -